يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
204
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
والربّ يتعالى عن ذلك ، هذه صفة الخالق ، وأما المخلوق فبخلاف ذلك يتكلم مرة ويسكت أخرى ويسمع تارة ولا يسمع أخرى لا سيما إذا لم يسمعه اللّه تعالى ، وشاهد ذلك أن الرجل يكلمك في بعض الأحيان ولا تسمعه وكذلك يمر عليك فلا تراه ، ألم تسمع قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ [ فاطر : 22 ] ، وقال عز وجل : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ [ الأنفال : 23 ] ، فإذا اللّه تعالى يتكلم على الدوام ، فإذا كشف الغطاء عن أذن المخلوق سمع ، كما فعل بموسى عليه السلام حين سمع كلام ربه تعالى ، ونشأت هنا مسألة ، يقال : كيف عرف موسى صلة اللّه على نبينا وعليه كلام اللّه سبحانه وتحقق أنه هو ولم يكن سمع قبل ذلك خطابه ، فقيل في ذلك أقوال : منها أنه سمع كلاما ليس بحروف ولا أصوات وليس فيها تقطيع ولا نفس ، فعلم حينئذ أن ذلك ليس هو كلام البشر وإنما هو كلام ربّ العزّة . وقيل فيه أيضا : أنه سمع كلاما لا من جهة وكلام البشر يسمع من جهة من الجهات الست ، فعلم أنه ليس من كلام البشر . وقيل : إنه صار جسده كله مسامع حتى سمع بها ذلك الكلام ، فعلم أنه كلام اللّه تعالى . وقيل فيه : إن المعجز دلّ على أنّ ما سمعه هو كلام اللّه تعالى جدّه ، وذلك أنه قال له : أَلْقِ عَصاكَ [ الأعراف : 117 ] فألقاها فصارت ثعبانا ، فكان ذلك علامة له على صدق الحال ، وأن الذي يقول له أنا ربك هو اللّه جلّ جلاله ، وقيل : إنه كان قد أضمر في نفسه شيئا لا يقف عليه إلا علام الغيوب ، فأخبره اللّه عزّ وجلّ في خطابه بذلك الضمير ، فعلم أن الذي يخاطبه هو اللّه تعالى جدّه وجلّ ثناؤه ، وعلى كل حال فلا بدّ أن تعتقد أن موسى عليه السلام سمع كلام اللّه تعالى بأذني رأسه كما رأى محمد صلى اللّه عليه وسلم ربه بعيني رأسه ، كما أثبته المحققون من أهل العلم فقالوا : قسم اللّه عز وجلّ الرؤية والكلام بين محمد وموسى عليهما السلام ، انظره في شرف المصطفى لعياض رحمه اللّه ، فإذا ثبت هذا الكلام فارجع إلى بقية الكلام واقرأ قوله سبحانه : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ الأنعام : 59 ] . وقد فسر النبي صلى اللّه عليه وسلم مفاتح الغيب بما فسّرها اللّه في قوله : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [ لقمان : 34 ] ، فقال عليه الصلاة والسلام : مفاتح الغيب خمسة لا يعلمها إلا اللّه : لا يعلم ما تغيض الأرحام وما تزداد إلا اللّه ، ولا يعلم متى يأتي المطر إلا اللّه ، ولا تدري نفس ماذا تكسب غدا ، ولا تدري نفس بأيّ أرض تموت ، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا اللّه . وانظر ما تحت قوله سبحانه :